الشيخ محمد الصادقي

12

الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه

وانما هي أيام السلطة الظاهرة والنصر زمنيا وليس روحيا إذ لا روح لغير المؤمنين فليست الدولة الظاهرة للباطل - وهي جولة - تعزيزا لموقف الباطل وتقويضا لظهر الحق ، فإنما هي لمصالح وحكم ربانية يقتضيها دور التكليف ، بما يحصل من تقصيرات لأهل الحق . « وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ » من العلم : العلامة ، دون العلم : المعرفة ، فاللّه يعلم بمداولة هذه الأيام علامة النجاح والفلاح على الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء للحق ، كما يعلم علامة السقوط على الظالمين « وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ » فعند الامتحان يكرم المرء أو يهان ، وعند تقلب الأحوال يعرف جواهر الرجال ، وكما عرفت يوم أحد وأيام أمثاله . والواو عطفت على محذوف معروف من السياق ، ومنه ان هزيمة أهل الحق - في الحق - ليست إلّا لهزيمتهم عن الحق كما يرام كما في غزوة أحد ، وما إلى هذه من هزائم هي من خلفيات الهزائم عن عزائم الإيمان . فمداولة « تِلْكَ الْأَيَّامُ » بتعاقب الشدة والرخاء إنها محك لا يخطئ ، وميزان لا يتأرجح ، وليست الشدة أشد من الرخاء ، فكم من نفوس أبيّة تتماسك فيها صابرة مثابرة ، ولكنها تتراخى وتنحل بالرخاء ، والنفس المؤمنة هي الصامدة في الشدة والرخاء على سواء ، محتسبة عند اللّه عناءها فيهما ، فلا انتصار بدر يزهيهم مرحين ، ولا انهزام أحد يهفيهم قرحين . « وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ » اصطفاء ممن علم اللّه من المؤمنين ، ومقام هذه الشهادة هو الثالث بعد النبيين والصديقين : « فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً » ( 4 : 69 ) . فالصالحون هنا هم المؤمنون المعلمون هناك ، فالشهداء منهم هم المصطفون من بينهم ، فليس الشهيد هو من يشهد الشهادتين ، فكثير هم